ابن الأثير
277
الكامل في التاريخ
وأعلم النّاس مقصدهم لبعد الطريق وشدّة الحرّ وقوّة العدوّ ، وكان قبل ذلك إذا أراد غزوة ورّى بغيرها . وكان سببها أنّ النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، بلغه أنّ هرقل ملك روم ومن عنده من متنصّرة العرب قد عزموا على قصده ، فتجهّز هو والمسلمون وساروا إلى الروم . وكان الحرّ شديدا ، والبلاد مجدبة ، والنّاس في عسرة ، وكانت الثمار قد طابت ، فأحبّ النّاس المقام في ثمارهم فتجهّزوا على كره ، فكان ذلك الجيش يسمّى جيش العسرة . فقال رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، للجدّ بن قيس ، وكان من رؤساء المنافقين : هل لك [ في ] جلاد بني الأصفر ؟ فقال : واللَّه لقد عرف قومي حبّي للنساء ، وأخشى أن لا أصبر على نساء بني الأصفر ، فإن رأيت أن تأذن لي ولا تفتنّي . فقال رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم : قد أذنت لك ، فأنزل اللَّه تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي « 1 » الآية ، وقال قائل من المنافقين : لا تنفروا في الحرّ ، فنزل قوله تعالى : وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا « 2 » . ثمّ إنّ النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، تجهّز وأمر بالنفقة في سبيل اللَّه ، وأنفق أهل الغنى ، وأنفق أبو بكر جميع ما بقي عنده من ماله ، وأنفق عثمان نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها ، قيل : كانت ثلاثمائة بعير وألف دينار . ثمّ إنّ رجالا من المسلمين أتوا النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وهم البكّاءون ، وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ، وكانوا أهل حاجة ، فاستحملوه . فقال : لا أجد ما أحملكم عليه ، فتولّوا يبكون ، فلقيهم يامين ابن عمير بن كعب النضريّ فسألهم عمّا يبكيهم فأعلموه ، فأعطى أبا ليلى
--> . 49 . sv ، 9 inaroC ( 2 ) . 81 . sv ، 9 inaroC